عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

210

اللباب في علوم الكتاب

وغيره ؛ فكان عدم المسيس شرطا في إباحة الطلاق مطلقا . الثاني : ما قدمناه من أنّ « ما » بمعنى « الذي » ، والتقدير : إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسّوهنّ ؛ إلّا أنّ « ما » اسم جامد لا ينصرف ، ولا يبين فيه الإعراب ، وعلى هذا فلا تكون « ما » شرطا فزال السؤال . الثالث : قال القفال « 1 » : إن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر ، وتقديره : لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسّوهنّ أو تفرضوا لهنّ فريضة ، يعني : لا يجب المهر إلّا بأحد هذين الأمرين ، فإذا فقدا جميعا لم يجب المهر . قال ابن الخطيب « 2 » : وهذا ظاهر ، وبيان أنّ قوله : « لا جناح » معناه : لا مهر ؛ لأنّ إطلاق لفظ « الجناح » على المهر محتمل ؛ لأن أصل الجناح في اللغة : الثقل ، يقال : جنحت السفينة ، إذا مالت بثقلها ، والذنب يسمّى جناحا ؛ لما فيه من الثّقل ، قال تعالى : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [ العنكبوت : 13 ] ، وإذا ثبت أن الجناح هو الثقل ، ولزوم أداء المال ثقل ، فكان جناحا ، ويدلّ على أنّ هذا هو المراد وجهان : الأول : أنه تعالى قال : « لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً » نفى الجناح محدودا إلى غاية ، وهي إمّا المسيس ، أو الفرض والتقدير ، فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين ، ثم إنّ الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين ، هو لزوم المهر . الوجه الثاني : أنّ تطليق النساء قبل المسيس ، وبعد تقدير المهر ، وهو المذكور في الآية التي بعدها ، هو تقدير المهر ، وقد أوجب فيه نصف المهر وهذا كالمقابل له ، فوجب أن يكون الجناح المنفي عنه هناك ، هو المثبت ها هنا ، فلما كان المثبت في الآية التي بعدها ، هو لزوم المهر ، وجب أن يقال : الجناح المنفي في هذه الآية هو لزوم المهر . قوله : « عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ » جملة من مبتدأ وخبر ، وفيها قولان : أحدهما : أنها لا محلّ لها من الإعراب ، بل هي استئنافيّة بيّنت حال المطلّق بالنسبة إلى إيساره وإقتاره . والثاني : أنها في موضع نصب على الحال ، وذو الحال فاعل « متّعوهنّ » . قال أبو البقاء « 3 » : « تقديره : بقدر الوسع » ، وهذا تفسير معنى ، وعلى جعلها حالية : فلا بدّ من رابط بينها وبين صاحبها ، وهو محذوف ، تقديره : على الموسع منكم ، ويجوز على مذهب الكوفيين ومن تابعهم : أن تكون الألف واللام قامت مقام الضمير المضاف إليه ، تقديره : « على موسعكم قدره » .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 117 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 117 . ( 3 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 99 .